الشيخ محمد النهاوندي
394
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
فقال : علي عليه السّلام لفاطمة عليهما السّلام : إني لاعطيه ولا أبالي * وأوثر اللّه على عيالي أمسوا جياعا وهم أشبالي * أصغرهم يقتل في القتال فآثروه بطعامهم ، وأفطروا بالماء ، وباتوا جياعا ، وأصبحوا صياما ، فطحنت فاطمة الثّلث الباقي وخبزت ، فلمّا أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم وقف أسير ، فقال : السّلام عليكم يا أهل بيت النبوة ، أسير من الأسارى ، أطعموني أطعمكم اللّه من موائد الجنّة ، فآثروه ولم يذوقوا إلّا الماء . فلمّا أصبحوا في اليوم الرابع أخذ علي بيد الحسن والحسين عليهما السّلام ، فأقبلوا النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فلمّا أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع ، قال صلّى اللّه عليه وآله : « ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم ! » وقام فانطلق معهم ، فرأى فاطمة سلام اللّه عليها في محرابها قد التصق بطنها بظهرها ، وغارت عيناها ، فساءه ذلك فنزل جبرئيل وقال : خذ يا محمد ، هنّأك اللّه في أهل بيتك ، فأقرأه السورة « 1 » ، انتهى . قال إسماعيل حقي صاحب تفسير ( روح البيان ) : الرواية ضعيفة لضعف راويها إلّا أنّها مشهورة بين العلماء مسفورة في الكتب « 2 » . أقول : من العجب أنّ العامة يعتمدون على ما هو أضعف منها ، ومع ذلك يظهرون الشكّ فيها مع اعترافهم بكونها من المشهورات . ثمّ أنّهم قد ذكروا في ردّ هذه القضية : أنّ السورة مكية ، وكان نكاح فاطمة في المدينة بعد وقعة أحد . وفيه : أنّ جمعا من علماء العامة ومفسّريهم منهم : مجاهد وقتادة قائلون بأنّ السورة مدنية إلّا آية واحدة ، وهي قوله : وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً فانّها مكيّة ، وكذا قال الحسن وعكرمة والمارودي على ما نقل عنهم أنّها مدنية إلّا آية فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ . . . إلى آخره . وممّا يدلّ على أنّها مدنية أن الأسير إنّما كان بالمدينة بعد آية القتال « 3 » . وقال صاحب ( روح البيان ) : نحن لا نشكّ في صحّة القصّة ( 4 ) ، فلا يصغى إلى ما قال الفخر الرازي من أنّه لم يذكر أحد من أكابر المعتزلة كأبي بكر الأصمّ وأبي علي الجبّائي ، وأبي القاسم الكعبي ، وأبي مسلم الأصفهاني ، والقاضي عبد الجبّار بن أحمد في تفاسيرهم أنّ هذه الآيات نزلت في حقّ علي بن أبي طالب عليه السّلام « 5 » . أقول : عدم ذكرهم القصّة لا يدلّ على إنكارهم بأنّ ظاهر الآيات العموم ولا وجه لتخصيصها ، مع أنّ
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 10 : 268 . ( 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 269 . ( 3 و 2 ) . تفسير روح البيان 10 : 269 . ( 5 ) . تفسير الرازي 30 : 243 .